زكريا بن محمد بن أحمد الأنصاري

55

فتح الرحمن شرح ما يلتبس من القرآن

طَيْراً بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ . نسبة هذه الأفعال إلى عيسى ، لكونه سببا فيها : ومعنى : بِإِذْنِ اللَّهِ بإرادته . وقال هنا : فَأَنْفُخُ فِيهِ وفي المائدة : فَتَنْفُخُ فِيها بإعادة الضمير هنا إلى الطير أو الطين ، وفي المائدة إلى هيئة الطّير ، تفنّنا جريا على عادة العرب في تفنّنهم في الكلام . وخصّ ما هنا بتوحيد الضمير مذكرا ، وما في المائدة بجمعه مؤنثا ! ! . قيل : لأن ما هنا إخبار من عيسى قبل الفعل فوحّده ، وما في المائدة خطاب من اللّه له في القيامة ، وقد سبق من عيسى الفعل مرّات فجمعه . 24 - قوله تعالى : بِإِذْنِ اللَّهِ . ذكرها هنا مرتين بهذا اللفظ ، وفي " المائدة " أربعا بلفظ : بِإِذْنِي ! ! لأنه هنا من كلام عيسى ، وثمّ من كلام اللّه . 25 - قوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ . هو كقوله في مريم : إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ وقال في الزخرف : إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ بضمير الفعل ، الدّالّ على حصر المبتدأ في الخبر ، بمعنى : إن اللّه ربي لا أبي كما زعمت النّصارى ، ولم يتقدّم ذلك ما يغني عن الحصر ، فحسن ذكر هُوَ بخلافه في الأخريين ، فإنه ذكر في " آل عمران " عشر آيات من قصة مريم وعيسى ، وفي " مريم " عشرون آية منها ، فأغنى ذلك فيهما عن ذكر " هو " . 26 - قوله تعالى : وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ . قال هنا بِأَنَّا وفي المائدة بِأَنَّنا لأن ما فيها أول كلام الحواريين ، فجاء على الأصل ، وما هنا تكرار له بالمعنى ، فناسب فيه التخفيف ، لأنّ كلّا من التخفيف والتكرار فرع ، والفرع بالفرع أولى . 27 - قوله تعالى : إِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرافِعُكَ إِلَيَّ . إن قلت : كيف قاله واللّه رفعه ولم يتوفّه ؟ قلت : لما هدّده اليهود بالقتل ، بشّره اللّه بأنه لا يقبض روحه ، إلا بالوفاة لا بالقتل ، والواو لا تقتضي الترتيب . أو إنّي متوفّي نفسك بالنوم من قوله تعالى : اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها [ آل عمران : 42 ] ورافعك وأنت نائم لئلا تخاف ، بل